ابن كثير
406
السيرة النبوية
فعندما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء ، لما له في ذلك من الحكمة البالغة . وليس هذا معارضا لقوله تعالى في سورة آل عمران : " قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله ، وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين ، والله يؤيد بنصره من يشاء " . فإن المعنى في ذلك على أصح القولين : أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا ، وذلك عند التحام الحرب والمسايفة ( 1 ) أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا ، فاستدرجهم أولا ، بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا ، ثم أيد المؤمنين بنصره ، فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا . ولهذا قال : " والله يؤيد بنصره من يشاء ، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار " . قال إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيد وعبد الله ، لقد قللوا في أعيننا يوم بدر ، حتى أنى لأقول لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ فقال : أراهم مائة ! * * * قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم ، عن أشياخ من الأنصار قالوا : لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا احزر لنا القوم أصحاب محمد . قال : فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر : أللقوم كمين أو مدد . قال : فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم فقال : ما رأيت شيئا ، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ،
--> ( 1 ) الأصل : والمسابقة وهو تحريف .